دار التوتان الأثرية (لتحفيظ القرآن) في مدينة حماة

قوس دار التوتان الأثري في مدينة حماة

​بعد إزالة العشوائيات لمقهى المأمورية ومحيطها ، قمت بزيارة المعلم الأثري (دار الأمير نجم الدين التوتان ) ، وهو مكان كان معروفاً أصلاً لدى الباحثين والمؤرخين باسم (قوس التوتان) نسبةً إلى القوس الحجري الموجود إلى يومنا هذا.

​طبعاً، أول ما لفت نظري هو فقدان نقش حجري قديم كان موجوداً وموثقاً بصورة تعود إلى ( عام 1908م ) ، ولكن نلاحظ من خلال الصور الحديثة أنه غير موجود.
كيف ومتى وأين اختفى؟.. الله أعلم .

النقش الحجري المفقود كان مكتوب عليه :
بسم الله الرحمن الرحيم أمر بعمل هذا المسجد المبارك العمري الأمير الأجل الكبير الفقير إلى رحمة الله تعالى النجم التوتان ابن ياروق في سنة أربع وثمانين وخمسماية ( 584 هـ ) .

وبناءً عليه يتبيّن لنا أن المكان كان عبارة عن دار ومسجد متجاورين، تَمَّ بناؤهما في التاريخ نفسه .

وكذلك من خلال معاينة المكان ومراجعة النقوش الحجرية المتبقية، يتبين لنا أن بداية بناء الدار والمسجد كانا في العهد الأيوبي، ثم تحول المكان بعدها إلى دار وقفية لتعليم القرآن الكريم في العهد المملوكي.

​النقش المشار إليه بالسهم الأحمر : ( موجود الى يومنا هذا )
​مكتوب عليه:
​بسم الله الرحمن الرحيم أمر بعمل هذه الدار المباركة الأمير الكبير نجم الدين التوتان ابن ياروق في سنة أربع وثمانين وخمسماية ( 584 هـ) .

​النقش المشار إليه بالسهم الأصفر: ( موجود الى يومنا هذا )
​مكتوب عليه:
​أمر بعمل هذه الدار المباركة السيد الفقير إلى الله تعالى محمد بن محمد ابن بكر الشافعي، خلا قبلها وما استثنى جعلها دار قرآن وأوقف لها أوقافاً كثيرة، لتسكن في هذه الدار من فقراء المسلمين مقيمين بها ليلاً ونهاراً يتلون كتاب الله ويتذاكرونه بينهم ويدعون للواقف ولوالده وللمسلمين، وقرر بها شيخين يعلمونهم القرآن الكريم، ويكون مقام كل فقير بها مدة خمس سنين، فإن ختم القرآن أو مضت المدة المعينة فيكسى ثوباً أو جبة وتبرره عوضه إن وجد، فإن لم يجد فيستمر، جعلها الله خالصة لوجهه الكريم في شوال سنة خمس وعشرة وسبعماية (715 هـ) .

​وهنا يتضح لنا أن الفارق الزمني بين النقشين الحجريين هو 131 عاماً.
النقش الأول بالعهد الأيوبي
النقش الثاني بالعهد المملوكي

​بالعودة إلى النقش الحجري والذي يعود للعهد المملوكي (مكان السهم الأصفر ) وتحليل النص المكتوب .

يكشف لنا النص عن التنظيم الداخلي الدقيق والصارم داخل هذه الدار، ويعكس تطور الفكر التعليمي في ذلك الوقت من خلال هذه النقاط :


1 – جُعلت هذه الدار ( داراً لتحفيظ القرآن ) ، مخصصة لتلاوة كتاب الله وحفظه، والدعاء للواقف ولوالديه ولعموم المسلمين.

2 – ركز الوقف على ( فقراء المسلمين ) ، مع اشتراط الإقامة الكاملة والمستمرة لهم (مقيمين بها ليلاً ونهاراً).

3 – يعين في هذه الدار “شيخان لتعليم الطلاب القرآن الكريم ، لضمان جودة الحفظ والتعليم والإشراف المباشر .

4 – حددت مدة الإقامة بخمس سنوات كحد أقصى لكل فقير، وهو شرط تنظيمي حكيم لضمان تدوير المنفعة وتجدد المستفيدين، وعدم تحول الوقف إلى سكن دائم يمنع الآخرين من فرصة التعلم .

5 – عند ختم القرآن أو انتهاء المدة المحددة، يُكافئ الطالب بكسوة (ثوب أو جبة) كنوع من الدعم المعنوي والتشجيع .

في النهاية…
أتمنى من الله ، ثم من المسؤولين والجهات المعنية، الحفاظ على هذا المعلم الأثري ونقوشه الحجرية الباقية .
فما يحمله هذا المكان من إرث تاريخي عريق لمدينة حماة، يضع بين أيدينا جميعاً أمانة ومسؤولية كبيرة تتطلب تضافر الجهود لتوثيقه، وحمايته، وإعادة إحيائه، ليبقى منارة تاريخية تُروى قصتها للأجيال القادمة .

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف المواضيع الشخصية. الوسوم: , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك رد